فنانون وافدون

من المحنة السورية

د. أسعد عرابي

 

اختزل العرض على سبع فنانين تشكيليين، ينتمون إلى التيار الغالب على نهضوية المحترف السوري، أي التعبيرية

بأنواعها: الملتزمة أو الاجتماعية الروحية أو البسكولوجية.

يتمثل هذا الاتجاه بأربعة أجيال وفق تواريخ تقريبية:

جيل الستينات المؤسس لكلية فنون دمشق برموزه : حماد ومدرّس و كيالي وسواهم، تتداخل مبادرة هؤلاء مع زمان

جيل السبعينات الذي شاركوهم تربوياً في التدريس، بعضهم درس في الكلية قبل منحته الدراسية في أوربا، تزامن هذا

الحال مع نشاط جماعة العشرة (على غرار : نبعة – الزعبي- سباعي وعلواني إلخ...) إضافة إلى أسماء تعبيرية مستقلة مثل

بشار العيسى وبهرام وشموط وغيرهم. أما جيل الثمانينات الثالث فهو معاصر لمجموعة حمص (شهدا ومعتوق ، مراد

ونعنع وغيرهم) برز في هذه الفترة كل من يوسف عبدلكي ونذير إسماعيل وعاصم باشا وفؤاد وباسم دحدوح ويازجي

وسواهم، أما فنانو اللاذقية فينتمون إلى عدة أجيال وفق الترتيب التالي : ليلى نصير – مصطفى علي – غسان جديد – نزار

صابور – على مقوّص وآخرون. أما جيل التسعينات الشاب فقد عانى أكثر من سابقيه من أهوال الحرب. لذلك نجد

أغلب أسماءه في الشتات الأوربي أو العربي، من أمثال الصافي وعجاج، والمصري ومحمد عمران وبرغود وعلاء وبمشاركة

نسائية أشد من مثال صفاء الست ونور و ريم وغيرهم كثير.

اقتصرت خيارات المعرض على الفنانين الذين تشبثوا بالإقامة في الداخل رغم المخاطر خلال الحرب، كما تتشبث

السلحفاة بدرعها الواقي. بما أنه لا يمكن للمعرض ولا لهذه العجالة أن تستوعب مئات الأسماء لأنها على سبيل المثال

وليس الحصر.

لعلّه من الجدير بالذكر تلك العلاقة المتوازنة بين التعبيرية السورية ونظيرتها الألمانية (رغم فارق النصف قرن) خاصة

من الناحية الفكرية باعتبار اللوحة شاهد ملحمي على المعاناة الإنسانية الروحية والجسدية خاصة خلال الحروب. يعتبر

مروان جسراً أساسياً في هذا التواصل الذي شاع تأثيره مع التعرف على التعبيريين الألمان الكبار مابين ماكس بكمان وبازلتز

مروراً بغروس وديكس وكولفيتس ونولد وكيرشنر.

 لا بد في الختام من استعراض خصائص كل من العارضين، مرتبين وفق تواريخ أعمارهم ليسهل تعيين جيلهم وفق

التقسيم السابق :

١ً- «ليلى نصير» : من مواليد اللاذقية عام ١٩٤١م. تابعت دراستها الفنية في القاهرة، هو ما يفسر انحيازها الأسلوبي إلى

حساسية آنجي أفلاطون والجزار. عرفت بمتانة رسمها خاصة للوجوه والأجساد الأنثوية، مغللة بحزن المرأة في المجتمع

الذكوري المشرقي. تعكس لوحتها بالتالي عذابات الأنا العليا، ومعاناة الأنثى عند إختلائها بمرآتها السيزيفية.

يقترب النسق الإيقاعي للجسد نفسه ومعاودته من أنظمة رسوم المعابد المصرية. وذلك ضمن تحولات خطية

وتشريحية لانهائية . ناهيك عن التبدلات الرهيفة في ألوان الإضاءة، تتحرر خطوطها من المساحات بطريقة معاصرة

حدسية لا تعرف التكرار.

٢ً - «إدوار شهدا» : من مواليد دمشق عام ١٩٥٢م، رغم أنه يُعتبر من أعمدة «مجموعة حمص» إلى جانب كرم معتوق

وعبدالله مراد وغسان نعنع وغيرهم. قد يكون شهدا من أرهف الملونين في المحترف السوري. يُقارن «ببيير بونار»

أحياناً، يغذي سيولة موضوعاته الروحية خصوبة جعبته الذاكراتية : ابتداءً من الأيقونات السوريانية وإنتهاء بالمنمنمات

الإسلامية مروراً بالنحت التدمري وسواها من الأساطير المحلية وسير الشعراء ( على الأخص محمود درويش). هو فنان

شمولي تعدّدي علماني رغم عمق روحانية بؤر ألوانه المشبعة بالصباغة يتواصل نخبوياً مع رواد تاريخ المعاصرة

والحداثة في أوربا خاصة الملونين الكبار من أمثال هنوي ماتيس وبونار، وانتهاء بشاغال وكوبكا، يستقي من هؤلاء

ديناميكية العلاقات اللونية المتواصلة مع الموسيقى، و تعددية مناخ اللون ونحت عجائنه وتنوع ملمسه وأنسجته. تصل

نوافذ إتصالاته حتى رسوم بيكاسو وبيكون. يصل في غبطة اللون ذروة الوجد، باحثاً عن قصائد فردوسية تترصّع فيها

غنائية الناري المطفأ في صقيع زرقة الأوقيانوس، تعومان في بركان الأصفر ووجدانية الرماديات ووجودية البنفسجي.

يسمه أحد النقاد بأنه «يرسم أشياء قريبة من الحلم».

٣ً- «فؤاد دحدوح» : من مواليد دمشق ١٩٥٤م. يرفع الحدود بين الفنون التي يمارسها بموهبة استثنائية : فالنحت

اختص به في الدراسة و التدريس وبرع في ميدالياته ونصبه وتماثيله التعبيرية عن الجذع البشري، ثم التصوير تأخر في

احترافه ثم رسى عليه فأصبح مصوّراً متميزاً يملك مهرجاناته اللونية الحبورة (عرضها مؤخراً في بينالي فينيسيا). ثم

الكرافيزم والتصميم الثلاثي الأبعاد لديكورات الأفلام (التلفزيون) خاصّة هياكل المدن الشامية وحواريها الشعبية. نحن

اليوم بصدد تصاويره. تعكس لوحته شخصيته المرحة العبثية، والتي تعيش ساعات غبطة غنائه العارف بالمقام وتنوع

أداء المطربين، لا شك بأن موسقة ألوان لوحاته ترسخّت بممارسته للإنشاد، لوحته مرآة لتفاؤله ومحبته للحياة والنساء

والمزاح والمرح. يشكل شبح الأنثى في فراديسه الغنائية المقزحة موضوعاً مركزيّاً يتماهى مع المواد الصباغية المشرقة

لدرجة مشارفتها حدود التجريد. رغم أن تشكيلاته التلقائية متخمة بعشقه لمتع الحياة اليومية لكنها لا تخف الأحزان

المضمرة هي التي يفضحها أزيز الأحمر أو تشظي الأشكال المأزومة، أو التضاريس المنحوتة بخشونة لا تخلو من نزق

حاد.

٤ً - «نزار صابور» : من مواليد اللاذقية ١٩٥٨م. قد يكون من أبرز رواد التعبيرية التصوفية الإنجيلية في المحترف

السوري، سمحت له دراسته الأكاديمية في موسكو بالتعرف على المناخات الطقوسية للكنائس الأرثدوكسية ليقيم

توليفياً روحياً مع فنون الأديرة المحلية من أيقونات وإكسسوارات مستقلة ملونة من خلال تصاميم إنشائية مجهّزة. تبدو

جعبة نزار التراثية أشد ثراءً في زادها الشعبي. ابتداءً من استعارة الفروسيات الحماسية لموروث أبو  صبحي التيناوي

(التصوير على الزجاج من الخلف) مترصداً مثله سيرة عنترة العبسي وعبلة، أو ابن المهلل والزير سالم وغيرهم، ناهيك

عن حشود الإشارات التعويذية المسجلة في طباعة الأقمشة وسواها. يطفح إذن معينه من الأرشيف الميثولوجي دون أن

ينضب. خاصة وأنه يدفع بتأويله إلى أداءات و وسائط «مابعد الحداثة». ابتداء من الملصقات الخشبية على اللوحة

القماشية وانتهاءً بإعادة الصناعة الخشبية لمصراعي المرايا الشعبيّة، أو إعادة تجهيز محاريب ومذابح معمارية مستقبلية.

تكشف لوحات المعرض عن ذروة استثماره للمواد العدمية المتهافتة. مثل الرذاذ الرملي أو الترابي المعفّر بالدخان أو

الصخام ثم الرماد (رمز الموت) ومشتقاته الباهتة، ضمن خلائط مخبرية معقدة، حتى أصبح نحت اللوحة بها

وبملصقاتها الرمزية مركزياً في النكبة الراهنة بعنوان : «الرماد الحي» أي «الموت الحي».

٥ً - «عدنان حميدة» : بالرغم من ولادته في دمشق عام ١٩٦٢م فأصله من صفد (فلسطينيي عام ١٩٤٨م). تمثّل

لوحاته المعروضة بجدرانها العدمية المنخورة بالضوء والريح وعصف الفرشاة، تحولاً صريحاً في سلوك تصويره، هو

الذي درج على رصف عناصره الرمزية ضمن حجيرات متراصة أشبه بأعشاش طائر الحمام، أو زنزانات مصغّرة منحوتة

بعجائن كثيفة وسطوح خشنة (تذكر بتقنية نذير نبعة)، هو شأن التعبيرية الفلسطينية التي انصهرت حساسيتها محليّاً

بالتعبيرية السورية، خاصة الرائد سمير سلامة الذي توفي مؤخراً، كانت إقامته موّزعة بين درعا ورام الله، وقبله مصطفى

الحلاج.

يشبه توزيع عناصره هيئة الحصى بما يذكر بثورة أطفال الحجارة. يعتبر حميده من الفنانين المثقفين. تحضرني ملاحظته

بخصوص آلية صناعة لوحته في إحدى المقابلات يقول بما معناه بأن تقنيته الأدائية تعتمد على «التواتر بين الهدم

والبناء ثم الهدم من جديد وهكذا حتى تتحقق في اللوحة كينونة إشكالية التصوير وسؤالها الجوهري».

٦ً- «باسم دحدوح» : هو من مواليد دمشق ١٩٦٤م. تفاجئنا أصالة هذا المصور بالتحول الحاسم لصالح شهادة النكبة

العامة، وكأنها جرح عمودي الغور لا يندمل. يبدو مع نظيره عمران يونس من أشد العارضين قدرة على اجتراع إحباطات

هذه المأساة، وتقيؤ غثياناتها خطوطاً وظلالاً قاتمة رمادية في اللوحة.

عرف ماضيه المخبري بترويض الأشكال بالاعتماد على متانة تشريحية نادرة في الرسم و حساسية التخطيط الدرامي. أبرز

أمثلتها الناضجة اقتناص حالات التقمّص المتبادلة بين هيئتي الثور والإنسان. بما تمثله من ملحمة ميثولوجيه شمولية

تقع بين موروث النحت الإغريقي وتقرّحات بيكاسو. يشرح ذات مرة ما يجري في مختبر لوحته : بأنها «دعوة للتجريب

وتعميق معارف الأداء. وبما يحقق متعة الدهشة». يسمه أحد النقاد بأنه «يسكب الألم على سطح اللوحة».

٧ً - «عمران يونس» : من مواليد الحسكة عام ١٩٧١م. هو أصغر العارضين وأشدّهم احتداماً، وتعبيراً عن المصاب

السوري. هو ما جعله اليوم رمزاً بليغاً داخلياً لكابوس هذه المحنة. تحفل لوحاته بصور مرعبة لتوابيت «موتى – أحياء»

يسيطر على جثتهم هلع من يلفظ أنفاسه الأخيرة بعيون تترصد مصيره الذاتي العبثي، أحداق متنبهة تشهد تفاصيل

التمثيل بجثة صاحبها. يتفوق أداء موهبته التشكيلية على خصوبة خياله الإعتراضي. تماماً كما هو سر أصالة التعبير لدى

المؤسس المرحوم فاتح المدرس، يبتدئ ذلك من متانة الرسم وإحكام التلوين ورهافة التوليف اللوني. ينتزع في لوحاته

المتأخرة شرائح مجهرية من هذا المشهد الأسود فيتظاهر التكوين في برزخ متوسط بين التشخيص والتجريد الجز والذبح

والسلخ. تتراكم في الحالتين الطبقات اللونية للأكريليك ، قبل أن يُعاد تخطيط تشريحها بأقلام فحم «الفوزان» ، بعصبية

مأزومة تكشف موهبته المتفوقة في الرسم الصدفوي (الحدسي). لينتهي بحماية هذه الخطوط الهشة عن طريق مثبتات

البخ. يتوقف (يختم اللوحة) عند محطة مباغتة سواء في الرسم أم التلوين كما هي الولادة القسرية المبكرة.